التفريط الأميركي

اذهب الى الأسفل

التفريط الأميركي

مُساهمة  saad في الإثنين مارس 05, 2012 7:43 am

التفريط الأميركي


نصير الأسعد


تثير مواقف الإدارة الأميركيّة حيالَ المحطّة الحاليّة من الأزمة في سوريّا، كثيراً من الدهشة والاستغراب في "المجال الربيعي" العربيّ.

ففي وقت يكرّر مسؤولو الإدارة أنّ "أيّام الأسد باتت معدودة" وأنّ "جرائمه يجب أن يُحاسب عليها" وأنّه "مجرم حرب"، تعلن هذه الإدارة عدم استعدادها للذهاب في دعم إسقاط نظام الأسد أبعدَ من المواقف السياسيّة والعقوبات الاقتصاديّة.

أمّا الذرائع المعلنة لعدم السير في خطوات حاسمة فتتراوح بين كلام عن اختلاف موقع سوريّا مقارنةً بموقع ليبيا تارةً، وكلام عن تفكّك المعارضة السوريّة تارةً ثانية، وآخر عن اختراق "القاعدة" لتلك المعارضة تارةً ثالثة، وصولاً إلى الزعم بأنّ تسليح المعارضة ستفيد منه "القاعدة" و"حماس" تارةً رابعة... إلى أن كان الكشف قبل أيّام عن طلب إسرائيليّ تقدّم به وزير دفاع إسرائيل إيهود باراك من واشنطن من أجل "تخفيف الضغوط على نظام الأسد، على الأقلّ إلى أن يتبيّن بديلُه المقبل".

إنّ المتابعين للمسألة السوريّة يعرفون تمام المعرفة أنّ ذريعة من نوع عدم توحّد المعارضة ليست جدّية ،لا سيّما أنّ إسقاط النظام السوريّ هدفٌ مشترك لكلّ معارض حقيقي في سوريّا، وأنّ الدعم الخارجيّ مطلب مشترك لكلّ المعارضين الجدّيين خصوصاً بعد أن دفعَ اعتماد الأسد على "الحلّ" العسكريّ – الأمنيّ كلّ معارض إلى تجذير موقفه. ويعرفُ المتابعون حقّ المعرفة أيضاً أنّ "القاعدة" بدعةٌ ولم يظهر لهذا التنظيم أيّ أثر منذ اندلاع الثورة السوريّة قبل عام. ويعرفون أخيراً أنّ "الجيش السوريّ الحرّ" المقصود بالتسليح ليسَ ميليشيا حزبيّة بل هو كتلة عسكريّة تتولّى التصدّي لهجمات بقايا الجيش النظامي على المدن والبلدات والأحياء.

أمّا المقولة الأميركيّة – والغربيّة – التي تتكرّر حولَ الفارق بين سوريا وليبيا، فهي أشبه بكلام حقّ أريد به باطل. وعلى ما يبدو فإنّ المقصود أميركيّاً وغربيّاً من اللجوء إلى هذه المقولة، هو القول إنّ التدخّل الدولي ــ والغربي ــ في سوريّا يُمكن أن يُشعل حرباً إقليميّة. وواقع الأمر أنّ على أميركا والغرب أن يبذلا جهداً خارقاً للبرهنة على أنّ التدخّل يساوي الحرب الإقليميّة، خاصةً أنّ أميركا والغرب يربطان التدخّل بقرار من مجلس الأمن، فهل يمنع التدخّل بقرار أمميّ الحرب الإقليميّة إذا كان في مقدور النظامين السوريّ والإيرانيّ إشعالها أصلاً؟

إنّ النقاش السالف مع الذرائع الأميركيّة – والغربيّة – هو للقول إنّ ما يبقى بعدَ استبعاد معظمها، هو الطلب الإسرائيليّ بتخفيف الضغوط على نظام الأسد. غير أنّ متابعةً للسياسة الأميركيّة في الشهور الماضية تقود إلى ملاحظة الآتي: إنّ الولايات المتّحدة التي قرّرت اعتماد سياسة "الإحتواء" مع إيران بتشديد الضغوط والعقوبات عليها بديلاً من الخيار العسكري، مهتمّة بالحؤول دون إقدام إسرائيل على مهاجمة إيران عسكريّاً، وهي في سياق هذه السياسة الموضوعة تحت عنوان "إحتواء" إيران بديلاً من الحرب (حتّى إشعار آخر على الأقلّ) عبّرت في العديد من المناسبات والاتّصالات عن أهمّية سقوط نظام الأسد في دمشق، ممّا يدعم سياسة "الإحتواء" لإيران. فما الذي استجدّ إذاً؟ ما الذي يتقدّم في الأولويّات الأميركيّة؟

على أنّه وبعيداً من تحليل ذرائع المواقف الأميركيّة ومن استنطاق المعطيات الأميركيّة القائمة، وبعيداً من "معلومات مؤامراتيّة" عن أبحاث أميركيّة – روسيّة جارية خلف الستارة، لا بدّ من لفت نظر الإدارة الأميركيّة إلى ثلاثة عناوين رئيسيّة.

الأوّل هو أنّ الربيع العربيّ أعاد إدخال الولايات المتّحدة على "خارطة شعوب المنطقة" بعدَ أن كانت فقط على الخارطة العربيّة "الرسميّة"، على أساس أنّ الولايات المتّحدة إنحازت إلى ربيع الشعوب. بل إنّ الربيع العربيّ أفسح في المجال أمام واشنطن لإقامة علاقات سياسيّة جديدة بما في ذلك مع قوى كانت تُشهر العداء لأميركا.

والثاني هو أنّ واشنطن بمواقفها من التطوّرات في سوريّا، لا تفرّط فقط بصداقة الشعب السوريّ وبما فتحه الربيع العربيّ ككلّ أمامها، بل هي تضرب عرض الحائط بموقف عربيّ رسميّ وشعبيّ في آن أعلن استعداده لـ"تغطية" تدخّل مشترك عربيّ – إقليميّ – دوليّ في سوريّا إنقاذاً للشعب السوري من المجازر والدماء. وهو الموقف العربيّ الذي تقوده المملكة العربيّة السعوديّة وتعلنُ بواسطته المواجهة مع المشروع الإيراني وركيزته نظام الأسد. إنّه تفريطٌ أميركيّ لا هو مفهوم ولا هو مبرّر بموقف عربيّ متطوّر، كان "مؤتمر أصدقاء سوريّا" في تونس قبل أيّام محطّة للتعبير عنه.

أمّا الثالث فهو أنّ مسايرةَ واشنطن لإسرائيل في قطع مسار الربيع العربيّ أو وقفه عند عتبة بشّار، يلحق أفدحَ الأذى بفرصة تاريخيّة لمصالحة العرب والمسلمين مع أميركا والغرب، بل يلحق الأذى بالفرصة التاريخيّة التي يفتحها الربيع العربيّ في المنطقة نحو السلام على أساس قيام دولة الاستقلال الوطنيّ الفلسطينيّ.

إنّها فرصةُ التحوّل الديموقراطيّ العربيّ، فرصة التحوّل بما في ذلك إلى "السلام الديموقراطيّ"، تفرّط واشنطن بها أيّما تفريط. أمّا الشعب السوريّ الصامد، فسيواصل صموده الذاتي، وسيضع العالم بأسره في الزاوية!

الجمهورية

saad

ذكر عدد الرسائل : 481
العمر : 53
المزاج : gut
تاريخ التسجيل : 21/11/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى