مجزرة تدمر في الوعي والذاكرة - وليد سفور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مجزرة تدمر في الوعي والذاكرة - وليد سفور

مُساهمة من طرف abu soltan في الأحد يونيو 29, 2008 8:40 am

مجزرة تدمر في الوعي والذاكرة - وليد سفور


أخبار الشرق - 28 حزيران/ يونيو 2008

يقول أحد معتقلي تدمر في شهادة له أمام منظمة العفو الدولية بسجن تدمر في عام 2001 قبيل إغلاق القسم السياسي من سجن تدمر: "الحياة في تدمر أشبه بالسير في حقل ألغام: فقد يفاجئك الموت في أية لحظة، إما بسبب التعذيب أو وحشية السجانين أو المرض أو الإعدام" .. وتقول المنظمة في تقريرها المعنون بـ"تعذيب ويأس وتجريد من الإنسانية في سجن تدمر: يوصف عادة سجن تدمر في سوريا بأنه مكان "الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود" وقد اكتسب السجن هذه السمعة السيئة بسبب الأنباء المتواصلة على مدى سنوات عديدة حول ممارسة التعذيب وسوء المعاملة بصورة منهجية فيه. وفي سوريا كانت تدمر لحضارة قديمة، ومثالاً على إنجاز وإبداع إنساني عظيم - وما زال آلاف السياح يتوافدون عليها كل عام. واليوم أصبح سجن تدمر بالنسبة للعديد من السوريين مرادفاً للوحشية واليأس والتجريد من الإنسانية. ويقاسي السجناء في سجن تدمر مستوى مروعاً من الوحشية، ومن الصعب التصديق بأن ضروب التعذيب والمعاملة السيئة التي يصفها التقرير ما زالت تحدث في أيامنا هذه".

ولذلك فالقتل والتعذيب حتى الموت سمة رئيسة من سمات أجهزة النظام السوري تحت أمرة الرئيس الأسد الأب ومن بعده الأسد الابن .. والتصفية الدموية رافقته من أول يوم استولى فيها على السلطة .. وحرمان الناس من حيواتهم وإزهاق أرواحهم سياسته المستمرة في تصفية خصوماته مع معارضيه

هذا التوصيف ليس كلاماً إنشائياً، ولا خطبة عاطفية، ولا تنفيساً عن النفس، ولا حديث معارض يود استقطاب جمهور إلى صفه .. هذا التوصيف هو مقررات قديمة وحديثة مثبتة في ملفات جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان الإقليمية والعالمية التي تقف على نفس المسافة من النظام وضحاياه، راقبت هذه المنظمات الأحداث ودونت خلاصاتها وفقاً للمعايير الأممية كما نص على ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ العاشر من كانون الأول/ ديسمبر عام 1948 .. والذي صادقت عليه سورية وأصبحت أنظمتها وحكوماتها اللاحقة ملزمة بتنفيذه.

لكن واقع النظام وأجهزة مخابراته ينقض كل المعاهدات والمواثيق، وممارسات الحكم في سورية تفصح عن حقيقة تصفية مئات الألوف بصورة دموية لم تعرف سورية مثيلاً لها في تاريخها القديم والحديث

مجزرة سجن تدمر الصحراوي في صبيحة السابع والعشرين من شهر حزيران عام 1980 مجزرة رهيبة ومرعبة، لونت رسوماتها بلون النجيع المتفجر من ألف ضحية أو يزيدون، منفذوها سرايا دفاع النظام .. لكن هذه المجزرة ليست سوى حلقة من سلسلة المجازر المستمرة التي شهدها هذا السجن الرهيب، الذي وصفه المعتقل بحقل الألغام حيث الموت المتربص في كل ركن من أركانه.

أشارت إفادات المعتقلين الذين قدر لهم النجاة من وحوش النظام الآدمية وخرجوا من سجن تدمر على مراحل وأزمان متباعدة إلى آلاف الضحايا الذين دخلوا السجن ولم يخرجوا منه أحياء، بل اندثرت وغيبت أخبارهم عن ذويهم وعن العالم في جوف المعتقل الصحراوي المخيف .. الاحصائيات المتقاطعة تقول أن عدد المفقودين في تدمر وسواه قد يبلغ عشرين ألف ضحية.

وبعد ربع قرن على وقوع مجزرة تدمر الشهيرة واستمرار المجازر في السجن أقر أحد أركان النظام العماد مصطفى طلاس وزير دفاع النظام السابق ونائب رئيس مجلس الوزراء في حديث لمجلة دير شبيجل الألمانية في شباط/ فبراير وفي العدد 8/ 2005 أجرته الصحفية سوزانة كوليبيل أنه كان يوقع في أوائل الثمانينيات على 150 حكماً بالإعدام أسبوعياً على المعارضين السياسيين الإسلاميين ، وإضافة إلى ذلك فقد اعترف لها بأن يده وقعت على أحكام إعدام بلغت الألوف، هؤلاء كلهم لم يتم التعامل مدنياً مع حالاتهم، ولم يبلغ ذووهم عن وفاتهم. كان طلاس نائب الحاكم العرفي بموجب حالة الطوارئ المفروضة على البلاد من أول لحظة استولى فيها النظام الحالي على السلطة في سورية وفقاً للقرار رقم 2 في 8 آذار/ مارس 1963، وكانت تحال إليه نتائج المحاكم الميدانية في تدمر وفيما سواه من مراكز الاعتقال والتحقيق، للتوقيع عليها بعد تنفيذ الإعدام غالباً بحق مواطنين أبرياء لم يقترفوا ذنباً ولم يخالفوا قانوناً إنسانياً.

لقد حاولت السلطات الحاكمة في سورية أن تسدل ستاراً من الكتمان الكثيف على مجزرة سجن تدمر المروعة، على الرغم من تسرب أخبار قليلة عنها، لكن سرعان ما انكشف ذلك الستار عندما اعتقل جهاز الأمن الأردني مجموعة من العناصر المسلحة في 31/ 1/ 1981 الذين أرسلتهم السلطات السورية لاغتيال رئيس وزراء الأردن الأسبق مضر بدران، وتبين أثناء التحقيق معهم أن عنصرين منهم شاركا فعلاً في مجزرة سجن تدمر، واعترفا بتفاصيل المذبحة، التي تابعها الشعب السوري والعالم عبر التلفزيون الأردني، ونشرتها صحف الأردن وضمت إلى وثائقه الرسمية. (راجع الوثائق الأردنية لعام 1981، الوثيقة بعنوان: تفاصيل مؤامرة النظام الطائفي الفئوي السوري للاعتداء على حياة السيد مضر بدران: رئيس الوزراء بتاريخ 25 شباط 1981، الصادرة عن وزارة الإعلام).

يقال أن الرئيس حافظ الأسد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة يوم السادس والعشرين من شهر تموز/ يونيو 1980 من قبل أحد عناصر حرسه الجمهوري الخاص، فحمل المسئولية مباشرة لجماعة الإخوان المسلمين ، وبأمر صريح من رفعت الأسد شقيق حافظ ورئيس سرايا الدفاع جرى رد فعل انتقامي استهدف نزلاء سجن تدمر، الذين اعتقلتهم السلطات الأمنية في سورية من كل المدن والمناطق السورية. وأحالتهم إلى سجن تدمر الصحراوي في بادية الشام شرقي سورية. كان جميع السجناء من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومن أنصار التيار الإسلامي الذي أبدى معارضته للسياسة القمعية والديكتاتورية والفئوية لنظام الحكم في سورية. وفي فجر اليوم التالي السابع والعشرين من شهر تموز/ يونيو 1980 قامت وحدات من سرايا الدفاع التابعة مباشرة لرفعت الأسد بالانتقال بالطائرات المروحية من مناطق تمركزهم قرب دمشق إلى تدمر، حيث كانت الأوضاع في السجن ترتب على قدم وساق منذ أسابيع بواسطة مدير السجن فيصل الغانم لارتكاب المجزرة الرهيبة، ولم تكن دعوى محاولة الاغتيال إلا مبرراً غير مقنع إذ لم يرشح عنها للعالم شيئاً. وحتى لو حدثت فعلاً محاولة فاشلة فالمفروض أن تكشف للشعب السوري تفاصيلها ويقدم المنفذون للمحاكمة العادلة التي توضح حيثيات وظروف المحاولة ومن الذي أمر بها ومن يتحمل مسؤوليتها، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى في منطق القضاء، لا أن يفتحو النار على السجناء العزل ويقتلوهم عن آخرهم - وهم في عهدة الدولة وأمانة عندها مسؤولة عنهم - وهم في زنازينهم ، غير مدركين لما يدبر لهم.

المجزرة ببعض تفاصيلها حسب رواية بعض من شارك في ارتكابها ..

في تمام الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم 27/ 6/ 1980 دُعيت مجموعتان من سرايا الدفاع للاجتماع بلباس الميدان الكامل، المجموعة الأولى من اللواء (40)، الذي يقوده الرائد معين ناصيف (صهر رفعت أسد)، والمجموعة الثانية من اللواء (138) الذي يقوده المقدم علي ديب، وكل مجموعة يزيد عداد عناصرها على مائة عنصر.

اجتمعت مجموعة اللواء (40) في سينما اللواء، حيث ألقى فيهم معين ناصيف كلمة، قال فيها: (راح تقوموا بهجوم على أكبر وكر للإخوان المسلمين، وهو سجن تدمر .. مين ما بدو يقاتل؟)، وبالطبع، فلم يرفع أحد منهم يده، ثم انتقلت المجموعة الموجودة إلى مطار المزة القديم، وهناك التقت المجموعتان، حيث كان في انتظارهم عشر طائرات هيلوكوبتر، وكل طيارة تتسع لـ 24 راكب.

كان قائد العملية المقدم سليمان مصطفى، وهو قائد أركان اللواء (138)، وكان من جملة الضباط المشاركين: الملازم أول ياسر باكير، والملازم أول منير درويش، والملازم أول رئيف عبد الله.

أقلعت طائرات الهيلوكبتر حوالي الساعة الخامسة صباحاً، ووصلت إلى مطار تدمر حوالي الساعة السادسة، وعقد اجتماع لضباط العملية، تمّ فيه توزيع المهمات وتقسيم المجموعات، ثم أعطي العناصر استراحة لمدة ثلاثة أرباع الساعة.

في هذه الأثناء كان سجن (تدمر) هادئاً، وقد اتخذت ترتيبات مُعينة؛ مثل: إجراء تفقد للمعتقلين وتسهيل مهمة مجموعات سرايا الدفاع، فلم تكن هناك عراقيل أو اعتراض، بل كانت الشرطة العسكرية المكلفة بالحراسة مستعدة على الباب الخارجي، كما كان رئيس الحرس وشرطته العسكرية مجتمعين في ساحة السجن.

ثمّ دُعي عناصر سرايا الدفاع إلى الاجتماع؛ حيث تمّ تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات:

ـ المجموعة الأولى: وهي مكوّنة من (80) عنصراً، وكلفت بدخول السجن، وسُميت "مجموعة الاقتحام".

ـ المجموعة الثانية: وهي مكونة من (20) عنصراً، وكُلّفت بحماية طائرات الهيلوكبتر.

ـ المجموعة الثالثة: وهي مكونة من بقية العناصر، وقد بقيت في المطار للاحتياط.

ركبت مجموعة الاقتحام سيارات (دوج تراك)، وحين وصلت إلى السجن؛ انقسمت المجموعات الموجودة إلى مجموعات صغيرة، كل منها بإمرة أحد الضباط، وقد سلّم مدير السجن النقيب فيصل الغانم مفاتيح المهاجع إلى ضباط سرايا الدفاع، كما زودهم بمرشدين لغرف السجن وباحاته.

كان في سجن تدمر العسكري (34) مهجعاً، في كل منها (20 - 70) معتقلاً؛ تبعاً لحجم المهجع، وقد تم تنظيم العملية بقتل المعتقلين على دفعتين: الدفعة الأولى تشمل الغرف المطلّة على الباحات (1 و2 و3)، والدفعة الثانية تشمل الغرف المُطلّة على الباحات (4 و5 و6)؛ وبسبب انخفاض المهاجع وعتمتها في غرف الباحات (1 و2 و3)؛ تقرر إخراج المعتقلين إلى الباحات لتنفيذ الإعدام فيهم.

وتوزّعت مجموعات سرايا الدفاع على المهاجع والباحات، وفُتحت الأبواب، وبموجب نظام السجن؛ وقف المعتقلون عند فتح أبواب المهاجع مغمضي العيون ووجوههم إلى السقف، وقدم رئيس كل مهجع الصف (ويكون أحد السجناء، ويُطلب منه ترتيب السجناء وتنظيمهم، ويكون له نصيب أكبر من العذاب، انظر كتاب شاهد ومشهود).

- في الباحة رقم (1) تم إخراج نزلاء المهجعين (5 و6)، ونزلاء المهجع (4)، وجُمعوا في زاوية الباحة الشمالية الشرقية.

- في الباحة رقم (2) تمّ إخراج نزلاء المهاجع الثلاثة (8 و9 و10)، وجُمعوا في آخر الباحة الجنوبية الغربية، مقابل المهجع (Cool ذي الشرفة الواسعة من الأمام.

- في الباحة رقم (3) تمّ جمع المعتقلين من المهاجع (12 و13 و16 و17)، في الزاوية الشرقية الجنوبية من الباحة أمام المهجع (12).

وهكذا تمّ تجميع المعتقلين مع أغراضهم بشكل يجعل عملية القتل والإبادة تبدأ في الباحات الثلاثة في وقت واحد.

والجدير بالذكر أن المعتقلين جميعاً خضعوا في اليوم السابق لأنواع من التعذيب الشديد الذي لم يسبق له مثيل، فقد اندفعت عناصر الشرطة العسكرية تطوف بالمهاجع، وتضرب المعتقلين بالسياط والعصي، كما أخرجوا نزلاء بعض المهاجع إلى الباحات بالتسلسل، وانهالوا عليهم ضرباً بالعصي والسياط، فأصيب الكثيرون من المعتقلين بكسور وجروح مختلفة.



abu soltan
Admin
Admin

الجنس:ذكر
عدد المساهمات : 972
سجّل في : 22 أكتوبر 2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى